الإعلام ليس تواصلاً ـ دومينيك وولتون


حول الكتاب

صدر حديثاً عن «دار الفارابي» كتاب «الإعلام ليس تواصلاً» للباحث دومينيك وولتون. يقول المؤلف إن معظم الناس يعتبر الإعلام أمراً جاداً بينما التواصل ليس كذلك، إذ يقول على الدوام نعم للإعلام ولا للتواصل الذي تحوم حوله شبهة الإغراء المهيمنة. تلك هي الصورة المترسخة في الأذهان. ما يصبو إليه الكاتب هو إثبات عكس هذا الاعتقاد.
يوضح وولتون أن التواصل أعقد من الإعلام لثلاثة أسباب. بداية، كيف نعتبر أن التواصل غير موجود من دون إعلام، فالتواصل أصعب، دائماً، لأنه يطرح مسألة العلاقة، أي مسألة الآخر؟ هذا فضلاً عن عدم ضمان النتيجة في الإعلام، إذ إن المرسل قلّ ما يكون على صلة بالمرسَل إليه أو المتلقي، والعكس صحيح. ثانياً، لماذا الحط من شأن نشاط التواصل وانتقاده وتكريس هذا القدر الكبير من الوقت والطاقة والمال للإعلام؟ في النهاية، الحط من قيمة التواصل الذي طالما سعى كل منا إليه في حياته الشخصية والمهنية والسياسية والاجتماعية هو حط من قدر أنفسنا بالذات.
أما السبب الثالث الذي يورده المؤلف، فيتساءل كيف يمكن لنا أن ننظر إلى الإعلام على أنه خير وإلى التواصل على أنه شر، في حين أن كليهما لم ينفصلا عن بعضهما بعضاً، طيلة قرنين، في كفاحهما لأجل الانعتاق الفردي والجمعي؟ لا وجود للإعلام في ظل غياب مشروع للتواصل، لذلك ثمة نوع من الفصام في هذه الإرادة التي تهدف إلى الذم بذا والمدح بذاك. أما في ما يتعلق بالتقنيات، من الهاتف إلى الراديو، ومن التلفاز إلى المعلوماتية، فإنها كانت تؤدي دوراً أساسياً في الانعتاق الفردي والجمعي، ونجدها حاضرة أينما كان في المجتمع.
في هذا الكتاب، ينوي وولتون تبيان كيف أن التحدي الحقيقي متعلق بالتواصل أكثر مما هو متعلق بالإعلام الذي يعتبر توافره غير كاف لإيجاد التواصل، إذ إن وجود المعلومات الكلي يزيد من صعوبة التواصل. بل إضافة إلى ذلك، ثورة الإعلام تقود إلى حالة من التقلب في التواصل، وتكون النتيجة عندئذ غير متوقعة.
كذلك لم تعد المشكلة متعلقة بالإعلام وحسب، وإنما هي أكثر من ذلك. إنها مشكلة شروط يتوجب استيفاؤها للتوصل إلى التعايش في عالم أصبح فيه كل فرد يرى كل شيء ويعلم بكل شيء، وحيث الاختلافات اللسانية والفلسفية والسياسية والثقافية والدينية جعلت من التواصل والتسامح أمرين أكثر عسراً.  فالإعلام معني بالرسالة، أما التواصل فمعني بالعلاقة، وهذه مسألة أكثر تعقيداً.
يضيف وولتون بأن الهدف لم يعد التقاسم مع الآخرين ما هو مشترك في ما بيننا بقدر ما هو تعلم كيفية تدبر الاختلافات التي تفصلنا، ذلك على المستوى الفردي والجمعي على حد سواء، ففي التواصل تبقى أبسط الأمور في جانب الرسائل والتقنيات بينما أعقدها فهي في جانب البشر والمجتمعات.
يعتبر المؤلف بأن القرن التاسع عشر هو عصر ثورة الإعلام مع ما تحقق فيه من انتزاع للحريات، بينما يعتقد بأن القرن العشرين هو عصر انتصار الإعلام والتقنيات مع ظهور الاتصالات المنفتحة على الجميع، وينظر إلى القرن الواحد والعشرين على أنه قرن التعايش، بمعنى تأمين الشروط المطلوبة لعيش مشترك بين وجهات نظر مختلفة في عالم صغير للغاية يعلم فيه الأفراد كل شيء، ولا يقوى المرء على الإفلات منه.
بحسب الكاتب، بات المرء بعيداً عن الخطاب القديم الذي يأخذ جانب الإعلام ويجافي التواصل، ولم يعد بالإمكان وضع تراتبية تحكم بينهما، لذلك يجب أن يتناولهما التفكير معاً مضافاً إليهما تعقيد خاص بالتواصل الذي يواجه المسألة الثلاثية المرتبطة بالعلاقة وبالآخر وبالمتلقي. من جهة أخرى، فإن انتصار الإعلام بالذات في القرنين الماضيين هو الذي يوجب تحديد مرتبة التواصل مجدداً، وإن هذا الانتصار لم يكن سوى نصف الطريق، فهدف هذا الكتاب هو التفكير في زمن انتصار الإعلام وما يرافقه من تقنيات.
يتابع الكاتب بأنه كان من شأن أزمة الرأسمالية منذ أغسطس (آب) عام 2008 أن تسرع التفكير النقدي على البعد السياسي للعلاقة بين الإعلام والتقنية والتواصل. للمرة الأولى في التاريخ، تابعت الشعوب، بشكل مباشر، الأزمة وتبعاتها. لكن مما لا شك فيه أن ذلك الإعلام الوافر سيثير، بعد فترة من الذهول، نقداً جوهرياً موجعاً ضد الاقتصاديين والصحافيين ورجال السياسة والجامعيين والتكنوقراط الذين لم يحسنوا رؤية حدوث الكارثة، وسيطلب إليهم تقديم حسابات وانتقادات ذاتية.
يرى وولتون أن هذه الأزمة تمثل أزمة إعلام مالي بقيت دائماً خارج المراقبة، ولا يمكن فصلها عن الانترنت، ما يطرح مجدداً المسألة السياسية المتعلقة بتنظيم هذه الشبكة ووضع ضوابط لها، هذا إن كان المراد فعلاً جعلها وسيلة في خدمة الحرية. وفي ما يتعدى التكهنات، فإن سرعة انتقال المعلومات، وغياب الضوابط، ونسيان المصلحة العامة، كلها أمور تشكل مواضيع يدور حولها الخلاف. وهذه السرعة تشكل أول حدث سياسي عالمي يوجب على التحديات السياسية للإعلام والاتصالات التفكير جيداً.
في عالم مشبع بالإعلام والاتصالات والتقنيات، كيف هو السبيل إلى تأييد القيم التحررية التي ارتبطت بالتواصل والإعلام منذ القرن السادس عشر؟ كيف السبيل إلى منعهما من أن يصبحا أداتي تسريع لسوء التفاهم والكراهية بعدما كانتا في الأمس عاملي تقارب؟
في النهاية، يشدد دومينيك وولتون على أن الإعلام والتواصل غير منفصلين عن انعتاق الإنسان، وقد تطوّرت معرفة العالم وتعزّز الفكر النقدي بفضل حرية الإعلام. كذلك فإن المساواة بين الأفراد وشرعية الحوار استطاعتا أن تفرضا نفسيهما بواسطة التواصل. إنهما وجها مسألة الانعتاق الكبرى، فإما أن نخسرهما معاً أو أن ننقذهما سواء بسواء. يمكننا أن ندرك أن علاقتهما قد تغيرت، لكن مع أن القضية المركزية في القرنين التاسع عشر والعشرين كانت قضية بناء هذه الحرية الإعلامية التي وجدت تقدماً تقنياً هائلا، فإن التحدي المطروح في القرن الواحد والعشرين، أقله في مطلعه، هو تحد من طبيعة أخرى، وهو متمثل في تنظيم التعايش السلمي بين وجهات نظر متناقضة في عالم يريد فيه المرء أن يتمكن من الحفاظ على هويته وحريته في التعبير.

رابط التحميل

شاركها في جوجل+

عن غير معرف

0 التعليقات:

إرسال تعليق