حول الكتاب
تثير التجرية الشعرية والفكرية للشاعر العربي الكبير أدونيس شهية الباحثين والدارسين، من حيث هي ظاهرة كلية متداخلة ومركبة، ولها قوانينها وآلياتها ومرجعياتها في التراث وفي الثقافتين العربية والأوروبية ولها تناقضاتها التي تشحذ حركتها الداخلية، وتنتقل بها من أفق إلى أفق، ومن حقل معرفي إلى آخر، وهي تجربة مثيرة للجدل مفتوحة على العديد من الاحتمالات والتساؤلات.. ولعل الظاهرة الأدونيسية رغم ما تثيره من اغراءات على درسها، وفض مغاليقها، لم تحظ بعد بالإحاطة العملية بكل أبعادها، وظني أن مثل هذه الإحاطة تتطلب نوعاً من الباحثين الذين يحيطون بالحقول المعرفية العديدة التي شرب أدونيس من ينابيعها الصافية وتمثلها، وكا ن منتجه الفكري والإبداعي خلاصة لها، لا نود اختزال التجربة في توصيف يقوم على الاستسهال، ولكن أدونيس بحق هو الشاعر المفكر. وإذا كان الشعر تفكيراً بالصورة، وإبداعاً لصورة الفكر، وتكثيف ذلك كله من خلال قنينة الكثافة المسماة بالقصيدة، وهو ما طرحه أدونيس في روايته الشعرية باقتدار؛ فإن الفكرة عنده رغم التزامه بمنهج علمي لم يخل من كثافة الشعر وألقه وتوهجه.
يتداخل إذاً في التجربة الأدونيسية الشعر والتصوف، والفكر، والتفلسف، والتنقيب عن مناجم الذهب والفضة في التراث، والفصل بين الثابت والمتحول، واستلهام اسماء ورموز في الثقافتين العربية والأوروبية ومزج بين الرومانسي والسريالي والواقعي والصوفي.. إنها باختصار تشوّق إلى كمال مستحيل، تبلور في مجموعات شعرية، وكتب نقدية وفكرية عديدة منها (أغاني مهيار الدمشقي) و(قصائد أولى) و(أوراق الريح) و(هذا هو اسمي) و(وقت بين الرماد) و(أبجدية ثانية) و(المسرح والمرايا) و(احتفاء بالأشياء الغامضة) و(النظام والكلام) و(ها أنت أيها الوقت) و(الثابت والمتحول) و(الشعرية العربية) و(سياسة الشعر) و(الصوفية والسوريالية) و(كلام البدايات) و(كتاب الحصار) و(الكتاب) وغيرها.
أما الإغراء الذي دفع الدكتور وائل غالي لوضع كتابه الجديد عن أدونيس، فهو محاولة اكتشاف العلاقات الجدلية، علاقات التأثير والتأثر المتبادل، بين الشعر والفكر في التجربة الأدونيسية لهذا جاء الكتاب تحت عنوان (الشعر والفكر) ليغوص في السيرة الشعرية والفكرية والشخصية لأدونيس، ويربطها بمرجعيات في الثقافتين العربية والأوروبية. وتخلص الدراسة كما يقول وائل غالي إلى أن أدونيس شاعر كبير يعبرعن نفسه بقدرما يعبر عن عصره كله، أي عن جوهره الحضاري، فشعر أدونيس انفعال وعاطفة وشعور، و هو هذا كله، وشيء آخر يمكن أن نسميه فكراً، فقد عبر من خلال عواطفه وانفعالاته عن العامل، أي أن له *بمعنى آخر* رأياً في العالم وموقفاً منه، له فكر، وإذا كانت هذه الفلسفة لم تتبلور في نظام، أو مذهب فإنها تدين بالكثير إلى التصوف الإسلامي.. والشعر والتصوف عنده واحد: انهما نوع من الابتكار الأسطوري، الشعر بمعنى آخر فلسفة من حيث إنه محاولة اكتشاف، أو معرفة الجانب الآخر من العالم، أو الوجه الآخرمن الأشياء، والصلة بين التصوف و الشعر قائمة في شعره ونظره، وقد حاولنا في الدراسة* يقول وائل* استعراض كيفية هذه الصلة خلال شعرأدونيس ونقده على دراسة تناقش الدور الإعلامي للمؤسسات على السواء، في نظره شعر، وفي شعره نظر، وذلك لأنه كون شعري فكري واحد، وقد بنيت في الدراسة الصلات المنطقية بين الشاعر أو الإنسان من جهة، والعالم وأشيائه من جهة ثانية، من دون أن يعني ذلك أن الشاعر يمنطق الأشياء والكلمات، بل هو يحدسها ويراها وحسب.. فالشاعر الميتافيزيقي يعيش تجربة شخصية يفجرها في حدوث ورؤى مصير.. فالشعر الأدونيسي استبطان للعالم وجهد للقبض عليه، إلا أن الدراسة تأمل أن تكون قد استظهرت النظام العقلاني المنطقي الكامن داخل تجربة أدونيس الغنية المتنوعة.
تتكون الدراسة من مقدمة وتسعة فصول وخاتمة، في المقدمة يتوقف المؤلف أمام الوعي النظري لدى أدونيس، ويستظهره من كتبه النظرية الأساسية، مثل (الثابت والمتحول)، وهو الوعي الذي يؤسس عليه رؤيته للشعر ونظامه الإبداعي، وفي الفصل الأول يستدعي وائل غالي السيرة الذاتية لأدونيس، والمؤثرات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي ساهمت في تشكيل وعيه وتكوين رؤيته وكذلك التداخل والانقطاع في قصائده. أما الفصل الثاني فيأتي استمراراً للفصل الأول ولكن بعنوان الشعرية والهوية، وفيه يرى ا لمؤلف أن هوية الشاعر من لغته وهي اللغة العربية لكنها لغة عربية خاصة، فأدونيس، وإن كان يرفض في سياق آخر* السياق الفكري اللغوي العربي* الى المدرسة البصرية الاعتزالية العقلانية التي أخذت بالقياس، لذلك فهو يستنبط ويؤول ويخرج ويعلل ولا يعود دوماً إلى النصوص التي سمعت عن العرب بل يعود إلى مخزون اللغة في حافظة الإنسان وتفاعلها مع الوجدان ويقيس اللغة ويتصرف فيها على غير ما جاء عن العرب، بل بإعماله الرأي والتأويل في اللغة والبحث عن المعنى الخفي الكامن من وراء ظاهر اللفظ. وهكذا يشتق اللغة انطلاقاً من نظرته العقلية إلى خصائصها وفي الفصل الثالث «بعنوان الحقيقة» يستند المؤلف إلى رؤية أدونيس للحقيقة وفهمه لها.
يقول أدونيس: ولئن كانت الحقيقة كالبراءة كالطفولة كالحلم، عريا، فإن الجنون وحده هو الذي يعانقها.. الوعي لا يقبل الحقيقة عارية لذلك يغطيها.. الجنون يمزق الأغطية لذلك يتحد بالحقيقة.. الحقيقة من حيث هي عري، جنون.. والحقيقة العري، الجنون واحدة في قانون الطبيعة، أما في قانون العقل فتناقض وتضاد.. والعودة إلى الحقيقة أي إلى البراءة والطفولة والحلم دخول في الموت كأن الجنون لا يكفي لتغيير العالم.
وفي الفصل الرابع يضع وائل غالي يده على مذهب أدونيس وهو مذهب الاختلاف المطلق، فأدونيس هو «مفكر التعدد وواحد من أكبر خصوم الوحدة، فهو يرى أننا في مرحلة انتقال من واحدية المفهوم إلى كثارته، أو من الواحدة الشعرية إلى المتعدد الشعري، وربما كان الالتباس النقدي في دراسة النتاج الشعري العربي في ربع القرن الأخير عائداً إلى التباس التجربة الكتابية نفسها* أي إلى تعدديتها* لكن هذه التعددية هي في الوقت نفسه شاهد على حيوية اللغة الشعرية العربية وحيوية الشاعر، وهي كذلك دليل على التجدد في الرؤيا وفي الحساسية الغنية وفي طرائق التعبير.
ويأتي الفصل الخامس تحت عنوان «مواضع التساؤل» وفيه يغوص المؤلف في أسئلة أدونيس الصعبة كما تبدت في كتبه النظرية وتأملاته الفلسفية على السواء، ويرى أدونيس أنه لا يمكن فهم الثقافة العربية الإسلامية أو الإسلامية العربية إلا بتحليل من داخلها وبأدواتها ذاتها، وأنها لمفارقة أن نكون الآن في لحظة تاريخية تبدو فيها هذه الثقافة على الرغم من جميع التحولات في البنية التحتية منذ أربعة عشر قرناًـ كأنها مسرح يعيد فيه التاريخ نفسه، والخلاصة* كما يضيف وائل غالي* أن المسألة عند أدونيس معقدة وإن كانت تتلخص في إعادة النظر من جديد في الأصل الديني.
وعن ميتافيزيقيا الإنساني يأتي الفصل السادس وفيه يكشف المؤلف عن الأصل الصوفي لتصور أدونيس للإنسان، وإن ما جاء به الشاعر يدل على أنه بمنأى عن الأسلوب العربي السائد وقواعده العلمية، وإن شعره قد أثبت أنه يغاير قواعد البيان العربي التي يقاس الأسلوب على ضوئها، فضلاً عن أن أسلوبه التعبيري مختلف لا يعطي المدلول العربي الفصيح، وأن أسلوبه تفكيكي يقرؤه الإنسان فلا يجد فيه ظواهر.. والإنسان عند أدونيس* كما يقول وائل غالي* هو الذات المفردة، الخلاقة المسؤولة، وقد أعطى الشاعر للإنسان بعداً إنسانيا يتجاوز القومية والجنس الى الإنسان بما هو إنسان، وهو ينزع نزوعاً إنسانياً إلى القيم الإنسانية الخالصة، فهي نزعة كانت واضحة لدى الشعراء من أمثال بشار بن برد وأبي نواس، وأبي العتاهية وابن الرومي، والمعري.. والخلاصة أن التجربة الشعرية الأدونيسية مشروع تحرر من القيود التي تحد من حرية الإنسان وحركيته بأنواعها جميعاً، وذلك من أجل معرفة الذات والوجود معرفة حقيقية ومن أجل أن تكون هذه الحياة في مستوى هذه المعرفة وفي تطابق معها. هذه التجربة هي تبعاً لذلك ممارسة حياتية وكتابية لتحقيق هذا التحرر.. فالإنسان ينطوي على ثورة داخلية خارقة تحجبها تلك القيود وهويقدر حين يكتشفها أن يحقق تحرره.
وفي الفصل السابع يتناول المؤلف العلاقة بين الوحي المطلق والشعر الإنساني مفرقاً بينهما، وإن كان أدونيس أميل إلى الكتابة دون احتذاء نموذج سابق، فعلى الشاعر أن يبتدئ شعره ابتداء لا على مثال، ولا يتضمن هذا المبدأ القول بضرورة الابتعاد عن محاكاة الشعر الجاهلي وحسب، وإنما يتضمن كذلك القول بضرورة اكتشاف آفاق غير معهودة في طرق التعبير والغوص في أعماق النفس ومقاربة الأشياء والعالم.
ويلخص وائل غالي تجربة أدونيس قائلاً: هي تجربة بدءاً من القطيعة مع الواقع ومن الصلة مع المتخيل.. إنها تجربة تتجاوز الواقع من أجل أن تحسن الغوص في داخله، هذه التجربة تجربة رموز وإشارات. النص هنا يقول غير ما يقوله ظاهر الكلمات، وتتقاطع فيه أبعاد ودلالات تجسدها لغة تفرض التواصل معها حدسياً، فهذا النص لغة لاتحمل أسرار المتخيل وحده، وإنما تحمل كذلك أسرار الذات إنه نص يمثل قطيعة مزدوجة: مع الكتابة الشعرية في عصره ومع لغة هذه الكتابة، وهوفي ذلك غربة داخل المعطى الشعري الثقافي، وهو بوصفه غربة* يمارس نظاماً آخر للرؤية والكتابة وطرائق التعبيروالعلاقة بين اللغة والشيء أوالاسم والمسمى، ويقلب تبعاً لذلك نظام القيم. هكذا يتوجه إلينا هذا النص طالعاً من مجهول يستلزم قراءته بعين القلب لا في أفق العقل. الخاصية الأساسية في نص أدونيس هي خروجه من الدلالات والمعاني والصور التي أضفتها على الأشياء الكتابة التي تقدمت.. هكذا يكتب أدونيس الغامض، يخرج الأشياء من ماضيها، من أسمائها السابقة، ومن طرائق التعبير عنها ويدخلها في صور أخرى مضيفاً عليها أسماء جديدة، الكتابة هنا تغيير: إنها تجدد الأشياء من حيث إنها تجدد صورها وعلاقاتها، وتجدد اللغة من حيث إنها تنشئ علاقات جديدة بين الكلمات والكلمة، وبين الكلمات والأشياء.
رابط التحميل

0 التعليقات:
إرسال تعليق