ماذا علمتني الحياة ؟ - جلال أمين


حول الكتاب

قليل من كتب السيرة الذاتية التي تقرأ، وتقول إنها جيدة صادقة، وفي المقابل هناك الكثير ممن يستخدمون هذه السيرة تمجيداً لأنفسهم واخفاء مساوئهم وتصفية حساباتهم الشخصية.

وسيرة الدكتور جلال أمين التي كتبها تحت عنوان «ماذا علمتني الحياة» الصادرة أخيراً عن دار الشروق جاءت من النوع الأول، والتي يمكن ان تقابل صديقاً لك فتقول له: هل قرأت كتاب الدكتور جلال أمين الأخير؟ أنصحك بقراءته.

وهذا يرجع لاختبارات عدة، منها أن جلال أمين كتبها بشجاعة وصدق يحسد عليهما، وهذا الصدق قصد به اتاحة الفرصة لمن يقرأ كتابه أن يستفيد من التجارب التي مر بها هو أو أحد من عائلته، وهو الهدف الرئيسي من كتابه أي سيرة ذاتية.

وأبسط مثال على ذلك هو أنه لا يوجد إنسان يمكن ان يكتب عن والدته وشكل العلاقة بينهما وبين والده وقصة حب والدته لابن خالها بهذه الصراحة.

الهدف من كتابة مثل هذه السيرة الذاتية... في المقام الأول الاستفادة من تلك التجربة،كما تتميز هذه السيرة ايضاً بأنها كتبت بأسلوب جذاب يقترب كثيراً من الأسلوب القصصي... وبخاصة ان المؤلف قسم السيرة إلى فصول معنونة.

ويمكن ان نكتشف بسهولة انه قصد مزج الشخصي بالعام، فجلال أمين في الجزء المعنون «ماذا حدث للمصريين؟» يقول انه اكتشف ان أفضل مقال يكتبه هو الذي يجمع بين الخاص والعام، بين تجربة شخصية ومشكلة عامة ذات مغزى تتعلق بأحوال المصريين، وهو نفس المبدأ الذي كتب به جلال أمين سيرته بكاملها.

تبدأ السيرة بفصل يحمل عنوان «ولادة متعسرة» يحكي فيه كيف ان والده كانت لديه اسرة كبيرة من الأطفال، وأن والدته حملت به، وأراد والده ان تقوم بعملية اجهاض ولكنها أصرت على ان تحتفظ بالطفل على الرغم من كل المحاولات التي قام بها الأب وخرج الطفل إلى النور.

وبدأ جلال أمين يقدم من خلال اسرته نموذجاً لشكل الحياة الاجتماعية لأسرة من الطبقة المتوسطة، كما رصد بعض الظواهر الاجتماعية التي كانت موجودة في تلك الفترة مع قدر كبير من الصراحة التي اشرنا لها في البداية.

فنجده يتحدث عن كيف رأت أمه والده أول مرة عندما تقدم لها ووجدته رجلاً قليل الكلام لا يعرف المزاح، وأنه فكر في طلاقها بسبب فطيرة بعد ان سمعها تقول لأمتها مازحة «من يا ترى الشخص المنفوخ مثل الفطيرة».

كما قارن بين الحس الاخلاقي بين، والده الأزهري واستاذ الجامعة والذي كان لديه حس اخلاقي قوي وأراد ان يكرس حياته لعمل عظيم، وبين والدته التي لم تكن تشعر بالأمان وكيف أنها كانت تحتفظ لنفسها بجزء من مصروف البيت حتى اشترت الفيلا التي يعيشون فيها وجعلت والده يدفع ايجاراً لمنزله الذي اشترته منه بمبلغ قليل.

وكيف انها كانت تفضل ابنها الأكبر محمد لنفس حاجتها للحماية من الزوج، وخصوصاً ان محمد كان يختار الوقوف إلى جانب والدته، وكيف كان وجهها يتهلل عند دخوله البيت في الوقت الذي لا يتهلل لأحد من إخوانه.

وتحت عنوان «البيت» يقدم جلال أمين رسماً توضيحياً لحال بيوت الطبقة الوسطى في تلك الفترة، ويذكر اسماء الحجرات، وطريقة الطعام والنوم، ورفض والدته استعمال أدوات كهربائية إلى «حياتنا وكيف حولتنا إلى آلة لكسب المزيد من المال حتى يمكن اقتناء هذه الأجهزة التي جعلت الحياة أقل عشوائية وأكثر نظافة».

وتحت عنوان «الإخوة السبعة» تحدث جلال عن اخوته وعقد مقارنات بين شخصية كل منهم، وكيف بدوا أنهم من عوالم مختلفة، فكل منهم له اتجاهاته وتطلعاته المختلفة كلياً عن الآخر، وكذلك وصف كيف ان والديه لم يساويا في الاحتفاء بقدوم الإخوة مثلما احتفيا بالإخوة الكبار.

ويستمر جلال أمين في الحكي عن اصدقاء الصبا ومباهج الصبا والجامعة والبعثة وعلاقته بحزب البعث في تلك الفترة، ويقول عن علاقته بالبعث: «استمر لقائي المتكرر بميشيل عفلق لمدة سنتين أو ثلاث سنوات في الفترة من 1955 إلى 1957 ولم يضعف خلالها ولاؤنا وحبنا واحترامنا له، مع تحفظ يتعلق بتطورنا الفكري».

كنا قد بدأنا نقرأ في اواخر هذه الفترة بعض الكتابات الماركسية التي تتعارض منطلقاتها وروحها العامة مع منطلقات ميشيل عفلق وطريقة تفكيره، وكان من السهل فيما اظن ان تسلب الماركسية لبنا ونحن في هذه السن الصغيرة، وان نرى فيها صلابة وقوة وحسما لم نكن نجده في افكار البعث، كانت ميتافيزيقية وروحانية ميشيل عفلق ابعد كثيرا بالمقارنة بالماركسية عن تناول شباب في العشرين من عمرهم يريدون افكاراً كاملة الصنع وجاهزة للتطبيق وصارمة في تمييزها بين الابيض والاسود والتقدمي والرجعي والوطني والخائن.

وكان التفسير المادي والاقتصادي للأمور اقرب الى جذب شباب في هذه السن من اقوال عفلق التي من نوع القول «ان القومية حب» مثلا والتي كانت كثيرا ما تذكر عن جانب اعداد البعث على سبيل السخرية من اغراق عفلق في المثالية».

وتحت عنوان «ماذا حدث للمصريين» يعترف جلال امين ان الذي رسخ في نفسه الثقة بانه كاتب هو النجاح الذي حققه في كتابه «ماذا حدث للمصريين» اي تقريبا بعد 17 مؤلفا كان قد قدمها، وفي الوقت نفسه نجاح الكتاب جعل جلال امين يشعر بالغيظ لان الناس لم تعد تتذكر سوى ماذا حدث للمصريين ولا تتذكر ما جاء قبلها او بعدها.

ويسرد امين في هذا الجزء من الكتاب المقالات التي كتبها ورد الفعل عليها، مثل المقال الذي كتبه دفاعا عن احمد بهاء الدين ضد ثروت اباظة، وقد وصف جلال امين... اباظة بأنه كان «رجلا قليل الموهبة يظن انه اديب موهوب وكان يتسم بصفتين هما الغرور والجرأة وقد فتحوا له ابوابا كثيرة، ما كانت تفتح لشخص غيره له القدر الضئيل نفسه من الموهبة.

وانه استمر هكذا يتكسب وينشر ويحتل مناصب لا يستحقها ودعمه للاسف كبار الكتاب كتوفيق الحكيم وطه حسين ونجيب محفوظ فأرضوا غروره ولم يكبحوا جماح طموحه اما طعماً في مكسب صغير من ورائه او اتقاء شره». وتعجب جلال امين من وصول المناخ السياسي والثقافي في مصر إلى هذا المستوى.

وينهي جلال امين هذا الفصل بالتأكيد على ان مقالاته عن ثروت اباظة جاءت لتسجل ما كان يشعر به كل المثقفين المصريين باستثناء واحد وهو نجيب محفوظ الذي اصر على ان يستمر على ولائه لصديقه، ولكن يشير جلال امين الى ان كثيرا من مواقف نجيب محفوظ الاجتماعية والسياسية ظلت دائما لغزا محيرا للجميع.

ويختتم جلال امين سيرته بفصل تحت عنوان «البدايات والنهايات» قال فيه: «اصابتني دهشة عندما ادى بي استعراضي لكل هذه البدايات والنهايات الى اكتشافي لهذا العدد الكبير من الامثلة على نوع او اخر من خيبة الامل.

كما راعني ايضا ان اكتشف فجأة كثرة الاشياء التي اصبحت اعتبرها غير جديرة بالاكتراث او غير مهمة، ما اكثر الاشياء التي كنت اعتبرها مهمة بل وضرورية في يوم ما فلم اعد اعتبرها كذلك لم اعد اتلهف على سماع الاخبار او قراءتها مثلما كنت افعل اذ لم اعد اعلق اهمية كبيرة على تصريحات ثبت لي ان اكثرها كاذب او على وعود اكثرها لا يتحقق.

ويضيف جلال امين: «نعم ان اسباب الحزن كثيرة ولكن مصادر الفرح كثيرة ايضا ومازال لدي الكثير منها كتابة مقال او كتاب جيد او اعتبره جيدا خصوصاً ان حصل على تقدير شخص او اشخاص احمل لهم تقديرا ولو كانوا قليلين، إلقاء محاضرة ناجحة في موضوع يثير حماسي ورؤية ابنتي مبتهجة او احد ابنائي سعيدا لأي سبب.

وصحيح ان الامثلة على خيبة الامل كثيرة ولكن ما اكثر ما نمر به ايضا في حياتنا من احداث سارة لم يكن يخطر ببالنا وقوعها ولا كنا نأمل فيها في اكثر لحظاتنا تفاؤلا، صحيح ان الاصرار على انهاء القصص نهاية سعيدة موقف لا يعبر عن الحقيقة ولكنه ليس اقل صدقا من الاصرار على انهائها نهاية غير سعيدة».

رابط التحميل

شاركها في جوجل+

عن غير معرف

0 التعليقات:

إرسال تعليق