حول الكتاب
النتيجة التي يصل إليها الناقد والشاعر محمد الخبّاز في كتابه المثير والجريء «صورة المرأة في التراث الشيعي: تفكيك لآليات العقل النصي»، بالدعوة إلى إزالة وهم القداسة عما ينتجه العقل النصي، ونقد ذلك النتاج، بنقد العقل وإصلاح أدواته، هي النتيجة الحتمية للتعامل مع النص الديني اليوم، وإعمال آليات نقدية جديدة تتحرك باستمرار لكسر اليقينيات والمسلمات في هذا التراث، وهذا ما لا يتم «إلا بالثقة بالعقل الإنساني وبقدرته على انتاج المعرفة باستقلالية عن النص الديني» كما يؤكد الخبّاز في خاتمة الكتاب.
لم يكن هدف الكتاب الأساسي، كما يشير الخبّاز، كتابة بيان جديد بحقوق المرأة، أو توضيح صورتها الصحيحة في الدين الإسلامي، وإن قام الكتاب بتعرية الصورة السلبية التي احتفظت بها كتب التراث الديني الشيعي، بقدر ما هو ذريعة لنقد العقل النصي واحتكاره وظيفة انتاج المعرفة في المجتمع الديني. وإذا كانت صورة المرأة في المنظور الديني تتسم بصفتها السلبية، فإن كتاب السعودي محمد الخبّاز يحاول تفكيك وهدم هذه الصورة بتفكيك وهدم آليات العقل النصي الذي أنتجها على مدى قرون وعبر كم هائل من النصوص التي اتسمت برائحتها الذكورية.
مقدمات نقد النص العقلي
وكتاب الخبّاز «صورة المرأة في التراث الشيعي»، الصادر اخيرا عن مؤسسة الانتشار العربي في بيروت، يزعزع المسلمات، كخطوة أولى في طريق التحرر من هيمنة أصحاب العقل النصي، بدخوله إلى هذه المنطقة شديدة الخصوصية والخطر، في مقابل من يعتبرون أن «النقد في المجتمعات الدينية هو بمنزلة الجريمة». وربما هذه النقطة الأخيرة هي التي اضطرت المؤلف أن يمهد ويعيد ويكرر أمثلته قبل أن يدخل في تفكيك هذه الآلية اليقينية والتسليمية في كل ما أنتجه العقل النصي سواء فيما يتعلق بالمرأة أو موضوعات أخرى. فالخبّاز يخرج من مقدمته إلى ثلاثة تمهيدات؛ الأول تاريخي يستعرض فيها مكونات نظرية أرسطو عن المرأة بكل ملامحها السلبية، وتحولها إلى صورة للخطيئة، وإلى رمز للجنس ورسول للشيطان وبوابة لجهنم ومصيدة للرجل. أما التمهيد الثاني فهو تمهيد فلسفي يبحث في النظام الأبوي (البطريركي) الذي تتمثل فيه «هيمنة الرجل ودونية المرأة في جميع مناحي الحياة ومفاهيمها» بشكل عجز النص الديني عن تغييره. في حين يكون التمهيد الثالث: التمهيد الديني الذي تتجلى فيه هذه البنية البطريركية والذي يمثلها المجتمع الديني الشيعي. لينتقل المؤلف إلى أمثلة «تجلي الثقافة البطريركية الأرثوذكسية في التراث الديني الشيعي» وهو عنوان الفصل الأول من الكتاب.
ويحاول الخبّاز في هذا الفصل رد دعوى العقل النصي «أن المعرفة الصحيحة كامنة في النص الديني، وأن وظيفة العقل هي استخراج هذه المعرفة من النص»، ذلك أن «علماء الدين القدماء لم يستخرجوا من النصوص الحديثية المتعلقة بالمرأة سوى صورة سلبية للمرأة تضعها في مرتبة دونية في حين تضع الرجل في مرتبة علوية». وعبر استعراض ما احتوته أربعة أنواع من كتب التراث الديني الشيعي من آراء سلبية عن المرأة وهي: شرح نهج البلاغة، وكتب التفسير، وكتب الفقه، وكتب الأخلاق، يخلص المؤلف إلى أن الأفكار ذاتها تتكرر في كل قسم بما يوحي بوجود صورة نمطية للمرأة تستمد ملامحها من الثقافة البطريركية الأرثوذكسية، خصوصا أن المؤلف من حين إلى حين يدعم هذه الفكرة بشواهد وما يماثلها في الفكر المسيحي الفلسفي مما يعني في المقابل «أن هذه الصورة عن المرأة تأسلمت على يد التراث الشيعي وأصبحت هي نظرية الإسلام، وما قاله بوذا أصبح هو ما قاله الإمام علي بن أبي طالب، وما احتوته النصوص المقدسة للديانات القديمة عن المرأة هو ما احتوته النصوص المقدسة عند الشيعة». (ص125).
ملامح الصورة السلبية
وإذ بدا المؤلف حذرا في ابداء وجهة نظر مسترسلة وخالية من الاستشهادات الكثيرة في هذا الموضوع، لكنه وبعد سرد العديد من الشواهد المهمة والتي يتضح من خلالها سعة إطلاعه وبحثه في النصوص وعنها، استطاع أن يلامس جوانب مهمة لهدم آلية العقل النصي، وتوضيح فكرة «أن ثقافة المشتغل على النص الديني تؤثر حتما في تعامله مع النص الديني، فالثقافة الذكورية كانت سائدة في زمن هؤلاء العلماء والتي تسربت لهم من حضارات أخرى أو أزمنة سابقة أثرت فيهم، فلم يرفضوا الأحاديث التي تذم المرأة رغم أن كثيرا منها ضعيف من الجهة السندية» (ص126).
وباستخدامه المنهج البنيوي التوليدي عرض الخبّاز ملامح الصورة السلبية للمرأة في كتب التراث الشيعي، من حيث انتمائها إلى ثقافتين: الثقافة البطريركية حيث الرجل أفضل من المرأة، «وهو الذي بيده السلطة المطلقة على كل شيء حتى على المرأة ذاتها، فما المرأة سوى متاع يشترى، وإنما خلقت المرأة لخدمة الرجل، ولا يجوز لها الخروج عن طاعته (..) إضافة إلى نقص عقل المرأة الذي لا يؤهلها حتى للسلطنة على نفسها، ولا لأن تكون ممن يستشار. أما الثقافة الأرثوذكسية فتتجلى وتتركز في نقطة مهمة وهي أن المرأة عورة يجب حجبها عن كل شيء، ليس عن الرجال فقط بل عن الخروج من المنزل وعن العلم والقراءة والكتابة بل وعن خروج صوتها (..) في كونها فتنة وأداة من أدوات الشيطان وفسادا في الأرض» (ص99).
مراوغات المعاصرين
ويركز الخبّاز في الفصل الثاني على السبب الذي جعل علماء الشيعة القدماء ينتجون هذه الصورة السلبية عن المرأة، وكيف «أوّلوا النصوص الدينية بما يتناسب مع ثقافتهم الذكورية التي تحكمهم»، ويشير الخبّاز في نقطة مهمة قبل الدخول في دراسة نهج البلاغة إلى «أن المعاصرين رفضوا هذه التأويلات ليس لأن النصوص تغيرت بل لأن الثقافة والعصر تغيرا، فأصبح العصر الذي يعيشون فيه يرفض هذه الثقافة الذكورية ويجرّ.م من يعتقد بها، فليس أمام المعاصرين إلا أن ينزهوا النص الديني عنها استجابةً لهذا الضغط الأيديولوجي». وذلك، كما يشير المؤلف، يستدعي «الفصل بين ما يقوله العلماء سواء في الفقه أو التفسير أو الأخلاق أو غير ذلك وبين الدين، فما يقوله عالم الدين هو فهمه للنص الديني وليس هو الدين». وهذا أيضا ما يسعى الكتاب إلى توضيحه وتوضيح الأزمة الفكرية المترتبة عليه في هذا المجتمع الديني حيث ظلت المدونة الحديثية الشيعة «مرتعا خصبا» لكثير من النصوص التي تحمل النظرة السلبية والدونية إلى المرأة، لأنها وُلدت في مجتمعات ذكورية تحتقر المرأة.
أما في الفصل الثاني فيستخدم الخبّاز المنهج البنيوي الشكلاني لإثبات التهمة على النص بدراسته لنهج البلاغة كعينة من المدونة الحديثية، وتأويلات الإسلاميين المعاصرين التي هي «مجرد مراوغة للفرار من مواجهة مشكلة النص». في حين يفرد الفصل الثالث مساحة لعرض مشاكل النص الحديثي أو المجاميع الروائية من خلاله تسليطه الضوء على مشكلة التدوين، ومشكلة الوضع والوضاعين، ومشكلة ما يسمى بعلم الرجال، ليبين «أن ما يفعله العقل النصي من اتكاء على تلك المدونة لإنتاج المعرفة التي تقدم للناس على أنها دين هو فعل خاطئ سيعود على المجتمع بالضرر كما هو حاصل في موضوع المرأة» كأحد وجوه المعاناة التي يعيشها الأفراد في ظل المجتمع الديني الخاضع لهيمنة هذا العقل.
يقول الخبّاز: «نحن لا ننكر أن الاشتغال في الحقل الديني يحتاج إلى امتلاك أدوات معينة، ولا يصح أن يشتغل عليه من لا يمتلكها، غير أن أصحاب العقل النصي لا يعترضون على من لا يفقه شيئا ويتكلم في الدين (...) إنما هم يعترضون على كل من يُنتجُ معرفةً غير المعرفة السائدة التي ينتجونها هم والتي يتناسخونها كابرا عن كابر (...) ولنا فيما حدث للشهيد السيد محمد باقر الصدر عظة وعبرة، حيث حورب هذا المفكر من داخل الحوزة العلمية ذاتها التي ينتمي إليها ومن قبل العلماء الذين يشترك معهم في أدواتهم المعرفية، رغم المكانة العلمية التي وصل إليها. ولنا فيما حدث للسيد محسن الأمين الذي خدم التشيع بكتبه المهمة، ولكنه حينما انتقد بعض مراسم العزاء الحسيني شبه بغاصب الخلافة، واتهم بمخالفة التشيع» (ص 127-128). وهذا ذاته ما حدث وما سوف يحدث لكثير من علماء الدين الذين يشككون بنصوص يرون أن ظاهرها يتعارض مع مبادئ الإسلام، بما هو محكم لديهم، أو يتعارض مع ما يتصورونه من مقام للمعصوم. وهي أزمة أخرى في هذا المجتمع الديني المغلق تحتاج إلى جرأة الأداة النقدية في مقابل العقل النصي الذي أوجد له عبر قرون من الزمن مادة طيعة من نصوص وبشر يحاربون أي اختلاف. وإن كانت هذه الظاهرة، كما يؤكد الخبّاز «ليست خاصة بالمجتمع الشيعي بل هي ظاهرة عامة في المجتمع الإسلامي عموما».
رابط التحميل

0 التعليقات:
إرسال تعليق