طبيعة المعرفة التاريخية وفلسفة التاريخ - محسن محمد حسين


حول الكتاب

هناك علاقة وثيقة بين التاريخ والفلسفة فالمؤرخ يحتاج إلى الفلسفة ومناهجها ونظرياتها لدراسة الأحداث والمواقف التاريخية، والتمحيص والتدقيق في حوادث الماضي يحتاج إلى القدرة على فهم النشاط الإنساني وتطوره، وهذا هو محور الدراسات والنظريات الفلسفيةalt. كما يحتاج الفلاسفة إلى دراسة أحداث الماضي والحاضر وقياسها وفق نظريات مختلفة لوضع مناهج ونظريات يستفيد منها المجتمع في حاضره ويضع على أساسها البنيات والبرامج المستقبلية.
وبذلك يكون للمؤرخ والفيلسوف منهج موحد في طريقة استقراء الأحداث والتدقيق فيها ومن ثم استخلاص واستنباط النتائج التي تبني على أساسها النظريات والمناهج.
ومن يقرأ التاريخ يدرك أن العلماء في الماضي كانوا فلاسفة ومؤرخين في آن واحد وعلى رأسهم أرسطو طاليس فهو أول الفلاسفة الذين بنوا نظرياتهم على أساس معرفة التاريخ مما يؤكد حاجة المؤرخ إلى معرفة الفلسفة ومن قبلها مقدرة الفيلسوف على سبر غور التاريخ ودراسة أحداثه بصورة دقيقة، والأحوال المحيطة بالمواقف التاريخية من أجل وضع مناهج ثابتة مستفيدة من عبر التاريخ لإنارة طريق الحاضر والمستقبل.
وتأتي هذه الورقة لتناقش علاقة التاريخ بالفلسفة وهو ما عرف بفلسفة التاريخ.

مفهوم علم التاريخ وأهميته
----------------
التاريخ في اللغة هو الإعلام بالوقت، يقال أرخت الكتاب أي بينت وقت كتابته، فالتاريخ تعريف للوقت يقال أرخت وورخت(1).
أما التاريخ اصطلاحاً فهو التعريف بالوقت الذي تضبط به الأحوال من مولد الرواة والأئمة ووفاة وصحة وعقل وبدن ورحلة وحج وحفظ وضبط وتوثيق وتخريج مرجعه فحص أحوالهم وحالهم(2)، وفائدة التاريخ معرفة الأمور على وجهها الصحيح قال أبو سفيان الثوري "لما استعمل الرواة الكذب استعملت لهم التاريخ"(3).
إن نقطة البداية التي ننطلق منها لفحص علم التاريخ لأي أمة هي وظيفة التاريخ وواجب المؤرخ، وعلم التاريخ في أي مجتمع يخضع لعوامل محيطة مختلفة وتكيفه قيم فكرية تختلف موازينها من عصر إلى عصر ومن بيئة إلى بيئة أخرى.
إن الأصل التاريخي لكلمة تاريخ هي "Istoria" إستوريا الإغريقية نشأت عندما بدأت الحركة الفكرية والسياسية عند الإغريق في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد، وكان يقصد بهذا التعبير الأشياء الجديرة بالمعرفة كالبلاد والعادات والمؤسسات السياسية المعاصرة أو الماضية، وسرعان ما أصبحت كلمة istoria الإغريقية مقتصرة على معرفة الأحداث التي رافقت نمو هذه الظاهرة، وبذلك ولد تعبير التاريخ بمعناه الشائع وتحولت الكلمة إلى history بمرور الزمن، وأصبحت فكرة تاريخ تعني عملية تطور الإنسان حتى أصبحت فكرة التاريخ في القرن التاسع عشر هو كل شيء يمكن إدراكه، وأصبح التاريخ بهذا فكرة شاملة، وأصبح كل النشاط الإنساني هو موضع بحث التاريخ(4) وهنا يلتقي التاريخ مع علم الفلسفة حيث كليهما يبحث في تحليل وتطور النشاط الإنساني سواء كان ثقافي أم اجتماعي أو سياسي.
وعندما شعر المؤرخون بالحاجة إلى تعريفات عامة للتاريخ وعلم التاريخ فإن تعريفاتهم لا تكشف عن معني عميق وشامل لهذا العلم وفائدته إلا من خلال تعريف بن خلدون له.alt
يعرف بن خلدون التاريخ بأنه "فن غزير المذهب جم الفوائد شريف الغاية إذ هو يوقفنا على أحوال الماضيين من الأمم في أخلاقهم والأنبياء في سيرهم والملوك في دولهم وسياساتهم حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا فهو محتاج إلى مآخذ متعددة ومعارف متنوعة وحسن نظر وتثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق وينكبان بهما عن المذلات والمغالط، لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل، ولم تحكم فيها أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، وكثيراً ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل، ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا قاسوها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة، في الأخبار فضلوا عن الحق، فلابد من ردها إلى الأصول وعرضها على القواعد"(5).
كما يعرف التاريخ المقريزي بأنه "الإخبار عما حدث في العالم الماضي"(6).
أما السخاوي فيقول عن التاريخ موضوعه الإنسان والزمان، ومسائله أحوالهما المفصلة للجزئيات تحت دائرة الأحوال العارضة الموجودة للإنسان وفي الزمان(7).
وباستقراء آراء العلماء والمؤرخين في تعريف علم التاريخ ندرك التناقض الواضح بين إدراك التاريخ وإدراك فلسفة التاريخ إذ لابد من إدراك فلسفة التاريخ حتى ننفذ إلى وظيفة التاريخ وتحقيق غرضه وفوائده.
غير أن هناك بعض الفلاسفة الذين أعطوا التاريخ حقه ومستحقه، وانزلوه مكانة مرموقة بين بقية العلوم.
ففي رسائل إخوان الصفا تصنيف للعلوم فقد اعتبروا العلوم ثلاثة أجناس منها الرياضية والطبيعية والشرعية والوصفية ومنها الفلسفية الحقيقية وقد وضعوا للتاريخ فصلاً طويلاً وأوجبوا النظر إلى القرون الماضية والاعتبار بها، والنظر في كتب الحكماء وأخبار سير الملوك الماضية(9).
أما الرازي فقد كان عالماً وفيلسوفاً فقد نظر إلى التاريخ بأنه يعكس العلوم الأخرى وله موسوعة حدائق الأنوار في حائق الأسرار، وله ترجمة عربية باسم جامع العلوم ضمنه سير الأنبياء وملوك العجم وسيرة المصطفى (صلى الله عليه وسلم) ثم الخلفاء الراشدين من بعده وشمل حقب تاريخية مختلفة منذ القدم حتى أعتاب التاريخ الحديث(10).
وهناك الكثير من الفلاسفة والعلماء الذين اعتمدوا على التاريخ ودراسته في وضع مناهجهم ونظرياتهم فأحسنوا وأجادوا في فهم التاريخ وفهم فلسفته فبقيت كتبهم وأرائهم متداولة عبر الحقب والقرون. لم تفسدها تطاول الزمن ولا غزارة المؤلفات والكتب.
وفلسفة التاريخ لا تعوض قصور التاريخ فحسب بل أنها تعوض قصور الفلسفة أيضاً، تعاني الفلسفة من قلق دائم مصدره اشتياق الفيلسوف إلى الوصول إلى الحقيقة فهو دائب البحث عنها، ولكنه يخشي أن يضل السبيل إليه وهو محلق في عالم المجردات، وهذه لفرط تجريدها تفلت دائماً من الإنسان فلا يستطيع الإمساك بها، ومن ثم فإن فيلسوف التاريخ يلتمس ماربه من واقعية التاريخ، يشد التاريخ الفلسفة إذن حتى لا تخلق بعيداً في غير عالمنا وترتفع الفلسفة بالتاريخ حتى لا يغوص في وحل الماضي ودمائه، يلتمس التاريخ من الفلسفة الحكمة والمغزى وتلتمس الفلسفة من التاريخ الواقعية وضرب الأمثال. كلاهما يكمل في الآخر قصوراً ومن ثم كان الزواج بينهما قائماً رغم معارضة الأهل من فلاسفة ومؤرخين!!
مفهوم فلسفة التاريخ
altيرجع أول استعمال لفظ "فلسفة التاريخ" إلى فولتير، وأن كان ذلك لا يعني أنها قد ابتدأت به، وإنما ترجع إلى ابن خلدون، وقد قصد فولتير بهذا المصطلح دراسة التاريخ من وجهة نظر الفيلسوف، أي دراسة عقلية ناقدة ترفض الخرافات وتنقح التاريخ من الأساطير والمبالغات، وهو ذلك يعني كل رواية غير مقبولة لدى العقل أو محتملة الشك.
تعد نقطة الانطلاق في فلسفة التاريخ لدى فولتير من استنكاره أن تصبح دراسة التاريخ أكواماً مترامية من المعارك الحربية أو المعاهدات السياسية دون مفهوم أو حكمة بادية، وهو إذ أراد تنقيح الدراسة التاريخية – بما يمكن تسميته بالتاريخ النقدي – فقد قصد أيضاً إلى تعديل طبيعة الدراسة التاريخية من التاريخ السياسي والعسكري إلى فلسفة الحضارة، مهمة التاريخ النقدي أن يحرر الفكر الإنساني من العبودية والخرافة والغباء من أجل نشر الحرية والتنوير والعقل، ومهمة فلسفة الحضارة أن تتسع دراسة التاريخ لما هو أهم من أخبار المعارك وسير الملوك وحواديث البلاط، أن يتتبع سير العقل البشري ممثلاً في شتي مظاهر النشاط الإنساني.
أما نقطة الانطلاق في فلسفة التاريخ لدى ابن خلدون ففي التمييز بين الظاهر والباطن في التاريخ: في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدولة والسوابق من القرون الأولى، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق لذلك أصيل في الحكمة عريق وجدير بأن يعد في علومها.
ففلسفة التاريخ لا تقف عند عصر معين ولا تكتفي بمجمع خاص وإنما تضم العالم كله في إطار واحد من الماضي السحيق حتى اللحظة التي يدون فيها الفيلسوف نظريته، بل قد لا يقتنع بذلك إنما يمتد تفسيره إلى المستقبل، بذلك يشعر فيلسوف التاريخ انه قد أوجد الوحدة بين الأشتات والنظام في العماء والمعني فيما يبدو غير مفهوم، يتجاوز المؤرخ إذن في فلسفة التاريخ الوقائع الجزئية إلى التاريخ العالمي universal history.
لقد ارتبطت الفلسفة والتاريخ ليس فقط من حيث هو تاريخ الفلسفة، أي رصد تاريخ الفكر البشري وتقلباته بل من حيث أنه فلسفة التاريخ أي التفكر في تطور التاريخ وحركته، ومحاولة البحث عن قانون يحكم هذا التطور.
كما إن تاريخ الفلسفة ليس رصداً كمياً للمذاهب والنظريات الفلسفية عبر التاريخ ولكنه معرفة للتجارب البشرية، والتحقق من مصادرها لمواجهة الواقع والتنبؤ بالمستقبل ومحاولة الدخول في أعمال التاريخ لمعرفة دلالة الأحداث وعصورها وظروف تشابهها لذلك كلما ارتبطت الفلسفة بالتاريخ تنمو وتزدهر وكلما انفصلت عنه تخبو وتموت.
من الضروري للباحث في التاريخ أن يعرف الفرق بين علم التاريخ وفلسفته، وأن يدرك موضوع التاريخ بمعني لمن يؤرخ المؤرخ؟ الإجابة بسيطة، لمن دخلوا التاريخ ولعبوا دوراً فيه ومن ثم يحركون مسار أحداثه، ولكن من الذين حركوا التاريخ وحددوا مساره؟ هل هم الساسة والقواد أم هم خلاصة فكر الأمة ممثلة في أنبيائها وعلمائها وفلاسفتها ومفكريها وشعرائها وفنانيها؟ وهل يقتصر التاريخ على الجانبين السياسي والعسكري باعتبارهما أبرز أحداثه؟ أم يؤرخ لفكرة الأمة المعبر عن شخصيتها؟ هل يؤرخ لشخصيات أم لحضارات؟لأفراد أم لأمم؟هذه المشكلة بدورها وأن كانت تخص المؤرخين فإن الفلاسفة قد لعبوا الدور الأكبر فيها، ذلك التحول في العصر الحديث من التأريخ لأفراد إلى التأريخ لحضارات قد دعا إليه فلاسفة، وأصبح التأريخ لحضارات يتخذ موقفاً وسطاً بين التاريخ والفلسفة فيما اصطلح على تسميته بـ "فلسفة الحضارة".
أما الفلسفة فهي عبارة عن الروح العامة الدارجة في كل ذلك في أي بعد من أبعاد الحياة وأن موضوع التاريخ، لمفرده عالم مستقل ولمجموعه يدخل في نطاق الفلسفة، فالمؤرخ إنما يؤرخ للذين دخلوا التاريخ، ولعبوا دوراً فيه، وحركوا مساره، سواء دخلوا التاريخ للإفساد كفرعون وهتلر وستالين، أو دخلوا التاريخ للإصلاح كما فعل الأنبياء والمصلحون، ولا فرق في ذلك بين الساسة والقادة والعلماء والفلاسفة والمفكرين والشعراء والمخترعين وأصحاب الصناعات والحرف.
ولا يقتصر التاريخ والفلسفة على الجانبين السياسي والعسكري أو جانب ثالث أو جانب رابع أو ما أشبه ذلك بل بالنسبة إلى المجموع من حيث المجموع سواء كانوا شخصيات أو حضارات أو أدياناً أو حروباً أو غير ذلك، ولذا فلكل من العلماء الذين ذكروا المفردات، والفلاسفة الذين ذكروا الروح العامة للتاريخ فضل كبير بالنسبة إلى العلم والأجيال الآتية، فإن التحول في العصر الحديث من تاريخ الحضارات ليس معناه أن تاريخ الأفراد صار منسياً لأن الاستفادة تكون من الجانبين، فقد يكون بعض العلماء قد اتخذ التاريخ والفلسفة معاً معياراً للعلم، فلهم علم التاريخ، ولهم فلسفة التاريخ(13).
حاجة التاريخ إلى الفلسفة تكمن في قصور طبيعة التاريخ ونقص في تركبية، ومن الطبيعي أن لا يعترف أحد على نفسه بالقصور أو النقص، ومن ثم كان المؤرخون معارضين أشد المعارضة لفلسفة التاريخ، لأن هذه تقيم نظرياتها على أساس نقص في طبيعة التاريخ يكمله الفكر الفلسفي، ونقطة البدء في فهم القصور في تركيب التاريخ تعويضه بفكر فلسفي نلتمسها واضحة لدى اثنين، أما الأول فهو ابن خلدون هو مؤسس فلسفة التاريخ، وأما الثاني فهو فولتير وهو أول من أطلق هذه التسمية "فلسفة التاريخ" على هذا الفرع من المعرفة يقول ابن خلدون عن التاريخ: "إذ هو في ظاهرة لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى" والعبارة تفيد أن ظاهر التاريخ مجرد أخبار وحوليات وتقويم، ثم يقول: "وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعد في علومها وخليق"، وتشير هذه العبارة إلى فلسفة التاريخ التي هي على حد تعبيره أصيلة في الحكمة أو الفلسفة ومن بين علومها للتاريخ، إذن التاريخ ظاهر وباطن، ومن المعلوم أن الظاهر يشير عادة إلى ما هو ظاهري خارجي براني وفي ذلك قصور، بينما يشير الباطن إلى ما هو باطني (أي حقيقي كامن في باطن الأشياء) داخلي، فكأن ابن خلدون يعترف بقصور التاريخ وفي ضرورة استكماله بما هو أصيل في الحكمة أو الفلسفة. أما فولتير فقد كان أكثر صراحة في التعبير عن قصور التاريخ بقوله" "أن بعض المؤرخين يهتم بالحروب والمعاهدات ولكني بعد قراءة وصف ما بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف معركة ويضع مئات من المعاهدات لم أجد نفسي أكثر حكمة مما كنت قبلها، لم أتعرف ألا على مجرد حوادث لا تستحق عناء المعرفة، وقائع التاريخ إذن تعوزها الحكمة ومساره ينقصه أدراك المغزى أو المعني، وذلك ما أغفله المؤرخون وأهتم به فلاسفة التاريخ.
كما أن فلسفة التاريخ أيضاً تشابه العلوم الطبيعية والإنسانية من جهة غاية العلم وهي الغايات العملية في الطبيعة لأجل تسخير العلوم الطبيعية لصالح الإنسان، أما بالنسبة إلى فلسفة التاريخ فالهدف من ذلك تزويد الإنسان بأحكام تمكنه من أن يفهم معنى الأحداث الحاضرة أو المستقبلية في ضوء خبرته بالماضي، وكيف يمكن استمداد المستقبل من الماضي والحاضر لأن الزمان يشبه بعضه بعضاً، والحضارات تشبه بضعها بعضاً، بحسب ما نستفيد من القياس أو التمثيل أو الاستقراء من الجهات المشابهة سواء كانت الحضارات صحيحة أو باطلة أو كانت أموراً اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو تربوية أو غير ذلك مستقيمة أو غير مستقيمة مثل الاقتصاد الرأسمالي أو الاقتصاد الشيوعي أو الاقتصاد الاشتراكي.
فلسفة التاريخ منهج علمي يستفيد من منهج العلم ومن غاية العلم، كما أنه يستفاد من ذلك احتياج العلم إلى الدين ,انه لا يمكن للعلم أو الدين أن يؤثر لوحده، فهما جناحان للحضارة الصحيحة، وقد اتضحت غاية العلم خدمة أغراض الدين، فإن العلم بدون الدين لا يمكن أن يخدم الإنسان كما رأيناه في هذين القرنين بالنسبة إلى البلاد الغربية وقبل ذلك كان دين المسيحية دون وجود أي دور للعلم فأفسدت الكنيسة إفساداً لا مثيل له.
وفي هذين القرنين وبعد أضحي العلم بدون وجود الدين، أفسد العلم إفساداً لا مثيل له حتى انتهي إلى صنع القنبلة الذرية المدمرة.
ومن هذه التجارب الأخيرة التي مرت على العالم في القرون الوسطي، والنهضة الصناعية إلى اليوم استقرا المؤرخون النظرة الأخروية التي تجعل غاية التاريخ عالم الدنيا، وعالم الآخرة على ما قاله سبحانه وتعالي: (وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَـئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) سورة البقرة: الآيات (201-202)، فالاستعمار والاستثمار وقتل الأبرياء والسيطرة على الأفراد والشعوب ونهب مواردها وخيراتها، ما هي إلا نتيجة أن العلم صار بين أناس لا يؤمنون بالله واليوم الآخر.
تجرد العلم عن الأخلاق والإنسانية والعدل والإنصاف يولد الظلم والقهر والاستبداد وكل ما هو سوء.
كما أن للحضارات أدواراً كأدوار الليل والنهار والفصول الأربعة أو سائر ظواهر الكون بمعني أن الحضارات تبدأ صغيرة، ثم تكبر وتشب، ثم تخلد في الهرم، ثم تأخذ بالسقوط، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في آيات متعددة.
وقد تقدمت جملة من الآيات الأخرى التي ذكر الله سبحانه وتعالي فيها أن جماعة كانت تشابه جماعة في تكذيب الأنبياء، وأن بعضهم كان يشابه بعضاً في أخذ الله سبحانه وتعالي لهم بمختلف العقوبات المناسبة لأعمالهم المنحرفة وعقائدهم الباطلة.
فالحضارة حالها الكائنات الحية فيها ميلاد، وشباب وشيخوخة، وفناء، ولا يقصد بالفناء المطلق بل فناء الكيفية، ولتحقيق فلسفة التاريخ هناك عناصر عديدة أهمها:-
1- الموضوعية:
يلزم على من يريد معرفة فلسفة التاريخ، أن يدرس التاريخ يتجرد وموضوعية، وأن يفهم الخصوصيات والمزايا للأحداث والوقائع، فمن يعمل ذلك، سيعرف أن كثيراً من المكتشفات الحديثة لم تكن حديثة كالطائرة، واكتشاف القارة الأمريكية، واكتشاف الدورة الدموية بل واكتشاف آلات الطابعة، وما أشبه ذلك، قد تحقق وجودها بفضل سبر غور التاريخ.
وليست فلسفة التاريخ إلا مثل سائر الأشياء الوجودية بحاجة إلى واقعية في الفلسفة واستقامة في أهلية المؤرخ، وإلا كانت النتيجة خطأ سواء في تخطئه إحداهما، أو تخطئه كليهما.
ومن أراد الوصول إلى المعني التاريخ، والفلسفة العامة في قضايا مختلفة، لتستفيد منها الروح العامة في التاريخ حاضراً مستقبلاً بل وماضياً، عليه أن يحصر موضوعات كثيرة من التفاصيل التاريخية المشابهة، مثل الحروب المتعددة، أو الدول المتعددة أو القضايا الاقتصادية المتعددة، حتى يحصل الاستقراء التام أو الاستقراء الناقص المفيد ولو للظن، مما يمكن تشكيل القياس المنطقي، بالإضافة إلى حصر الوقائع المراد دراستها من حيث الزمان والمكان والخصوصيات والمزايا، حتى يستطيع الباحث أن يستوفي دراستها، ويصل إلى النتيجة المصلوبة السارية في جميعها، متسلحاً بالروح النقلية التي تستند إلى الوثائق والمستندات زيادة ونقيصة وقوة وضعفاً وإلا لم يصل إلى النتائج المطلوبة الموثوق بها بل يكون منتهي الأمر نقصاناً، أو ظناً لا يفيد علماً ولا عملاً.


هذا مع الفرق بين الجانب الشخصي والجانب الاجتماعي، والاهتمام بالجانب الحضاري، إذ لا تفهم روح التاريخ من دراسة التاريخ أو الشخصيات أو أعمالهم أو حروبهم أو اقتصادياتهم بدون النقد والفحص والبحث والتدقيق والمناقشة والمعادلة والترجيح.
ويلزم على من يريد الوصول إلى فلسفة التاريخ أن يتأني في قبول التفسيرات العصرية للنصوص القديمة وهكذا التفسيرات في العصور السابقة على الوثيقة، أو التفسيرات في العصور اللاحقة على الوثيقة، لأن في كل زمان اصطلاحات ومفاهيم خاصة به، وأحياناً تكون مستوعبة، وأحياناً تكون غير مستوعبة مما ذكره الأصوليون في مباحث التعادل والتراجح بالنسبة إلى الروايات المختلفة، فإن مثل ذلك أيضاً يأتي في مقام تحليل التاريخ، وفلسفة القضايا الكلية أو الجزئية الشخصية أو الزمنية أو المكانية أو غيرها.
فعلى محلل الحدث التاريخي أن يقوم بمقارنة الظواهر الاقتصادية والاجتماعية والسياسية واللغوية، في مختلف المجتمعات والأنظمة والدول حيث للألفاظ معانٍ متعددة، بسبب اختلاف الأزمنة والمجتمعات ، فلا يصح الاعتماد على التخيل إلا بعد توفر الجوانب المختلفة، والمناحي المتعددة لهذه الأمور.
والمعروف أن المصطلحات اللغوية التي نستدل بها في معرفة التاريخ وفلسفته متجددة دوماً فقد تعني كلمة في بيئة معينة وعصر معين معني يختلف تماماً في عصور أو بيئات أخرى، فاللغة هي أداة التعامل مع فلسفة التاريخ.
2- مميزات الفلسفة:
أ – تتميز الفلسفة بأنها نشاط تأملي يتأمل الإنسان فيه العالم والإنسان والمجتمع والوجود وأصول كل واحد منها وغاياته تستعمل فلسفلة الحدة والبرهان العقلي للوصول إلى الحقائق والمعارف الخاصة.
ب- تبحث الفلسفة في أسس المعرفة وأصولها وطبيعة الوجود والقيم مركزة على إثارة أسئلة عميقة وأساسية فهي تتساءل عن أصل العالم وطبيعته ومقصده والغاية من وجوده، وتتساءل عن المعرفة وحدودها وإمكانياتها ومصادرها وطرائق الحصول عليها ولا تستعمل الفلسفة عموماً التجارب مباشرة للوصول إلى نتائجها.
د - ارتبطت الفلسفة بالفن وعلم الجمال منذ القدم واهتم الفلاسفة بأهمية أثر الجمال والفن في النفس الإنسانية.
هـ- تحلل الفلسفة المفاهيم الأساسية لعلم من العلوم ودلالاتها تنهج الفلسفة منهج عقلي والعقل فيها هو أحد الطرق لإثبات المعتقدات وتبرير المواقف.
لقد كانت الفلسفة قديماً تشمل جميع العلوم (الرياضيات والتطبيقات والإلهيات والأخلاق والسياسة لذا سميت بان العلوم ولكنها انفصلت عنها الواحد بعد الأخرى) وارتبطت كذلك بالعلوم النظرية والإنسانية فهناك فلسفة اجتماعية وفلسفة سياسية(14).
مما يؤكد أنها مرتبطة بالتاريخ باعتباره أساس الاجتماع والسياسة.
3- استخدام الفلسفة في معرفة التاريخ:
والفلسفة التي تعتمد على آراء عقلية مجردة لا يمكن استخدامها في معرفة التاريخ، فالتاريخ لا يمكن أن يستكشف بالفلسفة، لأن التاريخ شئ حقيقي لابد أن يكتشفه الحاضر بنفسه، أو لا يكتشفه الغائب غير المخبر إلا في بعض الحفريات التي لا تدل حتى على عشر هذه الآراء، والذي بأيدينا من تاريخ الحضارات السابقة على رسول الإسلام (صلى الله عليه وسلم) هو تاريخ بعض الأشخاص، فإن الناس كانوا يكتبون تاريخ الحكومات، الحروب، والانتصارات والهزائم، ومثل هذا يوجد أيضاً بعد نبي الإسلام، حيث كتب بعض المتزلفين تاريخ بني أمية، وبني العباس والعثمانيين بينما نرى كثيراً من المؤرخين بعد ظهور الإسلام بسبب عدة من العوامل، كتبوا تاريخ الحضارة لا الحكام، فإنه كان للقرآن الكريم الأثر الأكبر في تصور المسلمين للتاريخ، إن ما ذكره القرآن عن قصص الأنبياء مع أقوامهم ومع الطغاة أمثال نمرود، فرعون وهامان، إنما أريد بها محورية الأنبياء الذي يجسدون خط الإصلاح، وليس محورية الطغاة، والجبابرة من الملوك والحكام.
فإذا ذكر القرآن الكريم قصة فرعون ذكره من حيث صلته بموسى (عليه السلام) كما إذا ذكر قصة عاد وثمود، ومن أشبههم، ذكرهم باعتبار اتصالهم بالأنبياء بسبب ذلك تحول التاريخ إلى الدين لا السياسة. وذلك لأن الهدف من قصص القرآن هو الموعظة والاعتبار، حيث إن المعيار الإنساني خيره وشره وحقيقته وأخلاقه وعمله وقوله، كما قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى)(Cool. وفي المرحلة اللاحقة لنزول القرآن الكريم، فقد ارتبط التاريخ الإسلامي في نشأته ارتباطاً وثيقاً بالحديث المروي عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وبعض أصحابه، أو عن الأئمة الطاهرين، وتأثر التاريخ في نشأته بمنهج رجال الحديث، والرواية، والإسناد، صحتهم، وسقمهم، وصدقهم، وكذبهم، وأما من حيث الموضوع، فبالرغم من أنه بدأ بما يسمى بالمغازي فلم يكن البدء بغزوات الرسول (صلى الله عليه وسلم) التي تمثل الجانب العسكري، وإنما بسيرته كرسول حتى إذا ذكروا تاريخ الرسول وخصوصياتها ذكروا ذلك لتكون أسوة، كما قال سبحانه وتعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) سورة الأحزاب 21، وهكذا مع أن بداية تاريخ التقويم الإسلامي قد حدد في عهد الرسول نفسه فإن السياسة لم تكن إلا وسيلة لغاية نبيلة، شريفة، هي نشر الدعوة، وإنقاذ الناس من الظلمات إلى النور، وهكذا ارتبط التاريخ بالحديث موضوعاً، فالحديث هو أقوال الرسول، وأفعاله، وتقريراه. فالتاريخ ابتدأ من الكتاب والسنة، وذلك يحقق هدفاً مشتركاً، هو تسجيل نظم الحياة الدينية، والفكرية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والعائلية، والتربوية، والعسكرية، وما أشبه ذلك، وكل ذلك له جوانب حضارية.
ومن هذه الجهة نجد أن المسلمين، بعلمائهم وعامتهم بنو الأضرحة والبنايات الضخمة، سواء عند السنة أو الشيعة – مثلاً - قبر الإمامين الكاظمين في الكاظمية، وهكذا بني السنة قبر أبي حنيفة في بغداد، وقبر الشافعي في القاهرة، وإلى جانبه مسجد الإمام الحسين وكذلك مقام السيدة زينب في الشام.
ونجد إهمالا متعمداً لقبر معاوية، مؤسس الدولة الأموية، بينما نجد لأهل البيت مقابر وقباباً، وأضرحة، ومساجد حتى لطفلهم الصغير كالسيدة رقية في دمشق أو حتى قطر من دم الإمام الحسين الطاهرة لها مشهد، وأقيم لها مسجد سمى بمشهد النقطة في مدينة حلب، فلم يتمكن الخلفاء بأموالهم الطائلة، وجيوشهم الجرارة أن يسيطروا على أفكار، وأقلام المؤرخين، لأن عوامل أخرى أكثر فاعلية، كان لها الأثر والتوجيه في مسار الفكر، والثقافة، والعلم، الهداية.
والخلفاء العباسيون على كـثرتهم، وامتداد زمانهم ما يقارب خمسة قـرون، لا أثر لقبر أحد منهم إلا قبر هارون، وإنما بقاء قبر هارون كان حسب معجزة للإمام الرضا، ما هو مذكور في التاريخ أما بقية أولئك الخلفاء فلا يعرف لهم قبر.
وهكذا غيَّر الإسلام الحضارة السابقة عليه من حضارة الحكام إلى حضارة الأنبياء، والأئمة والعلماء (5)، فمن يريد كتابة فلسفة الحضارة والتاريخ، يجب أن يلاحظ ذلك بعين الاعتبار.
اللازم على من يريد تحليل التاريخ، وذكر فلسفته، أن يعزل موضوعه زماناً، وشرائط، وخصوصيات، ومزايا عن سائر العصور، والأزمنة، وغير ذلك، حتى يصل إلى جوهر التاريخ، كما يعزل العالم الطبيعي الظاهرة الطبيعية عما ه من حولها من الظواهر الأخرى، حتى يصل إلى الجوهر العام والكلي المختفي في الظواهر، فإن لكل شئ ظاهراً وباطناً.
4- التدقيق في الوثائق والمعلومات:
ويلزم على من يريد فلسفة التاريخ، أن يجمع اكبر قدر ممكن من الحالات، والمعلومات، والخصوصيات، والمزايا المتعلقة بموضوع الدراسة، وان يقوم بدراسة دقيقة للوثائق أهي صحيحة أم غير صحيحة، قطعية أو ظنية أو شكلية أو وهمية، أو يصب ذلك في قوالب الأشكال الأربعة مراعياً للصناعات الخمس حسب ما يقوله المنطقيون حتى يصل إلى التحليل الدقيق، وأن يقوم لعملية تركيبية، وصيانة المادة التاريخية صياغة علمية، متجاوزاً مرحلة السرد والوصف، إلى التعليل، فإن لكل شئ سبباً، ولكل شئ مسبباً، فيتعرض المحلل التاريخي للوقائع التاريخية مع تناول علل وأسباب يريد استخلاصها، فما هو علة هذا، وما هو سبب هذا، وما هو المعلول، وما المسبب؟ وأن يصل بذلك إلى أحكام كلية، وتلك الأحكام الكلية جارية في السابق، الحاضر والمستقبل. وبذلك يتمكن أن يتنبأ عن المستقبل تنبؤاً علمياً وربما يخطئ الإنسان بل كثيراً ما يخطئ، لأن الظروف متداخلة، فلا يتمكن الإنسان من استخلاصها حقيقة، ولا يتمكن من فهم الشرائط، والمزايا، والخصوصيات، والمتدخلات التي تتحكم في المستقبل كثيراً، حال ذلك حال الطبيب الذي يشاهد المريض، فيحكم على حالته أن يعيش إلى وقت كذا، ومع ذلك لا عيش إلا ذلك الوقت، ولا يموت إلا ذلك الوقت، بل الأمر أبعد من هذا، فقد قال: (عليه السلام): (لولا آية من كتاب الله لأخبرتكم بما كان وما يكون وما كائن إلى يوم القيامة) والمراد بالآية (يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) سورة الرعد 39.
فبناء على هذا نشاهد أن الذين يصلون إلى روح التاريخ وفلسفته، إنما يفعلون ذلك بأسباب، من جملتها القلق على مصير الحضارات القائمة سواء كانت حضارة إسلامية، أو حضارة غربية، أو حضارة شرقية مثل حضارة الهند إلى ذلك، فإن تحليل التاريخ وفلسفته، يوصل الإنسان إلى أن يكتشف المستقبل من الماضي ومن الحاضر، لأن الماضي، والحاضر، والمستقبل كلها تسلسلات بعضها مرتبطة ببعض.
والذين يريدون مثل ذلك بالنسبة للحضارات البائدة، والقائمة، والمستقبلة بحاجة إلى مقدرة فائقة على المقارنة بين مختلف الحضارات كالحضارة الإسلامية، والحضارة الغربية، الحديثة، والحضارة المسيحية، والحضارة اليهودية، والحضارة الإبراهيمية، والحضارة اليونانية القديمة، والحضارة الأشورية، والحضارة الفينيقية، والحضارة الكسروية، والحضارة الرومانية.
ومن الواضح أن، الأمر لا يقف عند هذا الحد، فالعالم عالم قديم لإله أبدي سرمدي قديم، كان بينهما فرق، فالله سبحانه وتعالي قائم بذاته وأزلي أبدي، بينما العالم القديم قدماً نسبياً، وحادث ذاتاً، وزماناً مستند إلى الإله سبحانه وتعالي، وقد مرت دهور ودهور بما لا تدخل تحت الألفاظ ولم يكن شيء طلاقاً، ولذا ورد: (كان الله ولم يكن معه شيء) هذا بالنسبة إلى الماضي، وأما بالنسبة إلى المستقبل فقد قال سبحانه وتعالي: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ) سورة القصص 88، ومحلل التاريخ يتكلم حول أسباب قيام الحضارات ثم شيخوختها ثم سقوطها ثم بعد ذلك تقوم حضارة أخرى.
وقد رأينا نحن أنفسنا كيف قامت حضارة الشيوعيين، ثم كيف قويت، ثم كيف ضعفت خصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية، ثم كيف سقطت وإن تصور الشيوعيين بأنهم يمتلكون ما لا حصر له من الأسباب والأموال والقدرة وغير ذلك لأن تبقي سلطتهم قروناً وقروناً.
5- المقارنة بين العلوم الطبيعية والتاريخ:
كما يجب على من يريد تحليل التاريخ، أن يقارن تحليله بسائر العلوم الطبيعية، وانعكاسات منهج العلم الطبيعي على التاريخ ويتمثل في الآتي:-
1- أن يعزل الباحث أو المؤرخ موضوعه زماناً ومكاناً عن سائر العصور والدول كما يعزل العالم الطبيعي الظاهرة الطبيعية عما حولها من ظواهر.
2- أن يجمع المؤرخ أكبر قدر ممكن من الحالات والمعلومات المتعلقة بموضوع الدراسة، وأن يقوم بدراسة نقدية للوثائق، وتمثل هذه المرحلة التحليلية من البحث.
3- أن يقوم بعملية تركيبية لصياغة المادة التاريخية صياغة علمية متجاوزاً مرحلة السرد والوصف إلى التعليل مفترضاً أن الوقائع التاريخية معلولة لعلل وأسباب يسعي المؤرخ على استخلاصها.
4- أن يصل بذلك إلى أحكام كلية تمكنه من التنبؤ في المستقبل.
وكان لهذه النزعة الطبيعية دور في تطوير علم التاريخ تمثل في المراحل الآتية:-
1- الدراسات التاريخية الخصبة طوال القرن الثامن عشر – عصر التنوير – بنزعها العلمية النقدية سواء لدى فولتير أو مونتسكيو أو جيبون.
2- أصبح التاريخ علماً له منهج واضح المعالم في القرن التاسع عشر على يدي لانجلوا وسينيويوس.
3- نشأت دراسات مستفيضة حلو بعض المشكلات المتعلقة بتطبيق منهج العلم الطبيعي فاستفيض عن التعليل بالتفسير، وعن التنبؤات العلمية المحددة بالاتجاهات العامة لمسار التاريخ، وعن التوقعات الجزئية المعينة بتوقعات بعيدة المدى واسعة النطاق لا تتعلق بالتفصيلات الزمانية أو المكانية ولا تحدد الجزئيات، فليس من شان التاريخ أن يحدد موعد اندلاع ثورة أو شخصيات القائمين بها.
قد كان مؤلف المؤرخ أرنولد توينبي "دراسة في التاريخ" ممثلاً لذروة ما بلغة الاتجاه العلمي في دراسة التاريخ.
وبذلك تبين أن مفردات الحوادث لم تقع مصادفة وإنما وفقاً لظروف معينة وكلي عام متحد في جميعها وشرائط وأزمان مختلفة.
ومنطق التفسير في الأمور الطبيعية أو في غير الطبيعية واحد في جوهره في كل من التاريخ والعلوم الطبيعية، ولا يكون التنبؤ حينئذ علمياً بل هو قائم على قوانين عامة لا غني عنها لمن يريد تحليل التاريخ، لكن هذه القوانين لا تعني الحتمية والقطعية كالتدخلات التي لا نعلمها، ولأن إرادة الله سبحانه وتعالي التي لا تدع شيئاً إلا وتتدخل فيه زيادة ونقيصة وإفناء وإيجاداً، ولذا يبقي المجال للإمكان والاحتمال.
6- فحص المفردات قبل الحكم عليها:
ويلزم على من يريد معرفة فلسفة التاريخ أن يجمع قدراً كبيراً من المفردات والخصائص والشرائط مثلاً؛ إننا من دون الجمع لا نتمكن أن نحكم حكماً قطيعاً ببقاء هذه الحضارة أو تلك، وموت هذه الحضارة أو تلك، فإن الأشياء إنما يصل علم الإنسان إليها في حدود شرائط خاصة بأزمنة خاصة، مثلاً إنا إذا ألقينا نظرة دقيقة على خريطة جغرافية ظهرت لنا الحدود بين الدول كخطوط دامية لكثرة ما جرى فوقها من حروب في الماضي والتي أثرت في الجغرافية خاصة بين الدول المنظمة تنظيماً صارماً.
وقد علمنا كيف تغيرت الحدود بسبب الحرب العالمية الثانية، ومن الواضح أنه لا يمكن بشكل عام تغيير هذه الحدود إلا بحروب جديدة أو ثورات غير طبيعية كالزلازل وغيرها.
وهكذا فالمحلل التاريخي يحتاج إلى مقدار كبير من المفردات الزمانية والمكانية والشرائطية، حتى يتمكن من تحليل التاريخ وفلسفته واستخلاص ذلك الكلي المبطن في هذه الأمور أو الحضارات. وعلى المحلل التاريخي أن يراعي ظروف الزمان والمكان والشرائط والخصوصيات والملابسات للأحداث والأمم التي أصابتها تلك الأحداث، وألا يصدر أحكام الماضي أو إصدار أحكام على المستقبل حسب موازينه الشخصية.
فلا يحق للمؤرخ والفيلسوف أن يجعل من نفسه واعظاً عقيدياً معتمداً على ذوقه عقائدياً الشخصي لأن ذلك يؤدي إلى أحكام خاطئة إذا قيست بعقلية ذلك العصر الذي يدرسه سواء بالنسبة إلى العصر الماضي أو العصر المستقبلي، فإن لكل عصر تاريخاً بل لكل حقبة ذلك، كما لكل حضارة شخصيتها وقيمها، وليس للمؤرخ أن ينظر على الماضي من خلال معايير الحاضر، فلا ينتقي أن تحكم على الأمور بأذواقنا, وإن كان بين الماضي والمستقبل والحاضر معايير كلية هي الروح السائدة في أجزاء البدن. ولا يمكن إلا بقدر معين من العلم وقدر معين مما ورثه الإنسان عن الأنبياء عن الله سبحانه وتعالي. فإن الإنسانية ليست شكلاً واحداً ولا طابعاً مستقلاً ولا نمطاً متفرداً ماضيه ومستقبله وحاضره، إلا في صور خاصة وموازنين قطعية.

رابط التحميل

شاركها في جوجل+

عن غير معرف

0 التعليقات:

إرسال تعليق