الفلاسفة والحب .. علاقة تقديس أم جنون أم مُعاداة؟!



الحُبّ سلطان؛ لذا فهو فوق القانون. – سيمون دو بوفوار
الحُبّ ما هو إلا شعور بالانجذاب والإعجاب نحو شخص ما، أو شيء ما، وقد ينظر للحب على أنه كيمياء متبادلة بين اثنين، وهناك اعتقاد سائد يفيد بأن العقول الكبيرة والقلوب المحطمة مترافقان على الدوام، وكلما زاد العقل لمعاناً أصبح الفشل أكثر صعوبة.
فلماذا لا تدخل الفلسفة الحب، فتخضعه هو الآخر إلى مقاييسها فتوجهه إلى وجهتها ليكون رائداً لعواطف الإنسان المدروسة سلفاً ولوجدانه المليء بالأحاسيس المنفعلة والعواطف المتأججة؟
حقا إن للحب فلسفة وهذا ما شاءته إرادة الفلاسفة والمتفلسفين، منذ كتب الفيلسوف اليوناني أرسطو عن الحب ودرسه كما يدرس سائر الوجدانيات المنبعثة عن قلب الإنسان وأحاسيسه الخفية، ولكن تُرى هل وقع مشاهير الفلاسفة فى الحب؟ وكيف ينظرون إلى الحب؟ هل قدسوه أم عادوه؟
أي تساؤل هذا؟! بقدر ما قد يبدو تافهاً بدون معنى، على اعتبار أن الفلاسفة هم أولاً وأخيراً جنس ينتمي لبني البشر، وبالتالي يمتثلون للمشاعر والحكايات البيولوجية ذاتها، وإن كان ذلك بشكل حر أكثر.
فالسؤال في الجوهر استشكالي وعميق جداً، يوحي بمجموعة من التأويلات تتأسس انطلاقاً من تمازجات أولية، يكشف عنها تضمين الفلاسفة نصوصهم للعبة الحب، فهناك إشارات واضحة بذاتها: من الثابت أن الفيلسوف يحب الفلسفة أي أنه يطوي العالم بين ثنايا جمجمته، والفلسفة هي الجسد والعقل والمرأة وقهوة الظهيرة وجريدة الصباح والشعر والفيزياء والآخر … بمعنى يكفيك أن تكون فيلسوفاً لكي تتحول إلى عقل كوني.
لكن كذلك لم يحاول أحد مواجهة الرؤى المختلفة للفلاسفة حول الحب، لدرجة أن المرء قد يكتشف مزيداً من العمق في الحديث عن الحب في الأغاني الشعبية عنه عند المفكرين المعاصرين، غير أن كتاب Les philosophes et l’amour, aimer de Socrate à Simone De Beauvoir – الفلاسفة والحب، من سقراط إلى سيمون دو بوفوار للمؤلفتين أود لونسلان “Aude Lancelin” و ماري لوموانييه “Marie Lemonnier” تصدى لتلك المسألة، في بحث في حياة الفلاسفة.




غلاف كتاب الفلاسفة والحب لـ أود لونسلان وماري لوموانييه
وقد جاء الكتاب بأطروحتيـن في الحب:
الأولى، فلسفة مناهضة للحب يمثلها الفيلسوف الألماني شوبنهاور الذي لم يتسامح أبداً مع المرأة لأنها تملك انفعال الحب، الذي بفضله تحقق إمكان تخليد النوع الإنساني، علماً أن وجوده من دون معنى أو قيمة. 
  • الثانية، الفلسفة التي تجعل من الحب المرحلة الأسمى للتجربة الذاتية، ويمثل هذا الاتجاه الفيلسوف الدنماركي سورين كيركجارد.
وهاتان الأطروحتان تتعرضان بدورهما لعلاقة الفلاسفة بالحب من زاويتين أساسيتين:
  • الأولى، هي العلاقة الفلسفية مع هذه العاطفة الإنسانية، وتحديد رؤية وتعريف الفلاسفة المعنيين بها.
  • الثانية، إنها تمثل نوعاً من كشف الغطاء عن الحياة العاطفية لكبار الفلاسفة والمفكرين في الحقب السابقة حيث كان هذا الجانب من سيرة حياتهم مخفياً إلى درجة كبيرة.
الكتاب بالنسخة العربية
الكتاب يحيرك في تصنيفه، فهو لايمكن أن تقرأه على أنه كتاب فلسفي فقط، بل هو من الكتب التي يمكن أن تندرج تحت ما يطلق عليه تاريخ الأفكار، فهو يقدم إطلالة عميقة عن علاقة الحب بالمحيط والبيئات المختلفة التي يعيش فيها من خلال رؤى مجموعة من الفلاسفة، ليقدم دراسة عن العلاقة بين الفلاسفة والحب على مدى التاريخ الإنساني الحديث انطلاقاً من سقراط وفلاسفة اليونان القدامى ووصولا إلى فلاسفة الوجوديين من جيل سيمون دوبوفوار.
ميزة هذا الكتاب أنه يتناول طائفة واسعة من أشهر الفلاسفة الغربيين من مختلف العصور عبر دمج تجاربهم الشخصية بآرائهم الفكرية حول الحب، حيث تكشف المؤلفتان عن قصص حب عاشها الفلاسفة الكبار في العالم كل بطريقته رغم كل ما يقال عن تعارض الفلسفة مع الحب، ابتداء من أفلاطون، لوكريس، مونتاني، جان جاك روسو، إيمانويل كانط، آرثر شوبنهاور، سورين كيركجارد، فريدريك نيتشه، مارتن هايدجر وحنة أرندت، جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار.

من المستحيل أن تقع في الحب وتظل حكيماً في نفس الوقت! – فرانسيس بيكون
وقد وزّعت المؤلفتان كتابهما على عشرة عناوين تبدأ بـ«أفلاطون، نشيد للحب» وتنتهي بفصل يحمل عنوان «جان بول سارتر وسيمون دوبوفوار، الحب في إطار الحرية»، ومروراً بفصول تحمل عناوين: «لوكريس، تحدي الحب» و«جان جاك روسو، حياة الرومانسية وموتها» و«ايمانويل كانط، صحراء الحب» و«آرتور شوبنهاور، الحب المغتال» و«سورين كيركيجارد، الحب المطلق»، «وفريديريك نيتشه، الحب على غرار ضربات المطارق» ثم «مارتن هايدغر وحنّة ارنت، خفقات أجنحة الغرائز».
وتقول المؤلفتان فى المقدمة أن هناك فكرة سائدة بأن الفلسفة والحب لا يجتمعان، حيث يقطن كلاً منهما فى غرفة منفردة، منذ العصور الحديثة على الأقل، فالحب هو ذلك الشعور المبهج بين كل المشاعر الأخرى، والصامد في مواجهة المنغصات التي تغرق العالم، كيوبيد ذو الطبيعة المزدوجة، الرقيق والعدواني في آن واحد! الذي تخفي أجنحته قوسا وسهما قاتلين، سيلحق ببقية الآلهة في مقابر السخافات.
الفلاسفة قد يكونون عظماء في الفكر، ولكنهم في الغالب نماذج سيئة في الحب، لذا فإن قصصهم في العشق والعلاقات والزواج داكنة وبائسة، وتنحط أحياناً لتصل إلى الجنون والهلوسة، لذا فلن يكون من المدهش -على حد قول المؤلفتين- اكتشاف أن الحب أصبح كالصحراء المهجورة من قبل روائيي العدمية الجنسية، وعلماء الفلسفة والاجتماع الذين ينتمون لتيار الارتباك العاطفي الجديد، والتقوى الزائفة.
شاركها في جوجل+

عن Ghada Noorldeen