ملحمة جلجامش… بين الأدب والرؤى الفلسفية!


تمثل حضارة وادي الرافدين إحدى أقدم الحضارات الشرقية التي عرفتها البشرية، بما قدمته في العلوم والمعارف وعلى وجه الخصوص في الأدب الذي دُوّنَ على الألواح الطينية في الحضارة السومرية القديمة، لتقدم لنا تُحفاً أدبية ما زالت إلى الآن محط إعجاب النقاد والمفكرين والباحثين في مجال المثيولوجيا.
فعندما بدأ الإنسان يفكر في الحياة الاجتماعية وقيمها ومعانيها أخذ يعبر عن الآثار التي تركتها في نفسه سالكاً سبلاً فكرية مختلفة، معبراً عن ذلك بنظرة موضوعية نتج عنها العلوم والمعارف الفكرية، وعندما جَنح للخيال والأسطورة ‘‘الميثولوجيا’’ نتج عنها ثقافة فنية طبعت في الأذهان من خلال الرسم والنحت و القصة الملحمية أو الشعرية الفياضة بأحاسيس عبرت عن الإنسان آنذاك بأبهى صوره، لذلك كانت ملحمة جلجامش تعتبر أقدم أدب أسطوري عرفه التاريخ البشري، أي أنها كانت السباقة بين معظم الآداب الأخرى التي عرفتها الحضارات القديمة كالحضارة المصرية القديمة‘‘الفرعونية’’ أو ‘‘الإغريقية’’ التي قدمت أيضاً ملحمتين خالدتين هما الإلياذة وأوديسا.
الملحمة تكشف نزعات الإنسان القديم وصراعه مع الذات من خلال رسم شخصيات الملحمة بصورة فلسفية وفكرية وإنسانية بشكل يبدو فيه الصراع بين الشر والخير والحب والحياة والموت والخلود جلياً للقارئ، فتظهر جلجامش البطل في حالة من القوة التي أبداها تجاه الآلهة ورغبته الجامحة بتحديها، مما آثار حفيظة الآلهة وفقاً للأسطورة تجاه جلجامش لتدفع بها الرغبة في التخلص منه بخلق بطل آخر يكون خصماً له، فكان أنكيدو الذي ما لبث أن تحول إلى صديق لجلجامش من بعد صراعه معهُ، كي يسيروا معاً في طريق القوة ويخوضوا معارك تخلدهم كبطلين أسطوريين، إلا أن فاجعته كانت كبيرة عندما خسر رفيقه، وبموت أنكيدو اكتشف جلجامش معاني أخرى في الحياة كالموت وبأنه لا بد من نهايات ترسمها الأقدار للأبطال ليهيم بعدها في الصحاري والبراري يُنشد الخلود.

تاريخ الملحمة

ملحمة جلجامش 02
ملحمة جلجامش هي ملحمة سومرية مكتوبة بخط مسماري على ألواح طينية اكتشفت لأول مرة في العام 1835. في موقع أثري اكتشف بالصدفة وعرف فيما بعد بأنه كان المكتبة الشخصية للملك الأشوري ‘‘أشور بانيبال’’ في نينوى بالعراق. ويحتفظ بالألواح الطينية في المتحف البريطاني، ومعظم هذه الألواح كتبت باللغة الأكادية حيث تعتبر ملحمة جلجامش الشعرية واحدة من أهم ما كتبه الإنسان القديم كنتاج عرفته حضارة ما بين النهرين.
وقد كتبت الملحمة في الألف الثالث قبل الميلاد، بصورة ملحمة تاريخية وشعرية صورت جانبين أساسيين في حياة البشر وصراعهم للبقاء من خلال تسليطها الضوء على حياة جلجامش ذاك البطل الأسطوري، من خلال سردها لقصة الصراع الذي كان قائماً بين جلجامش وأنكيدو وكيف انقلب أنكيدو من عدو إلى رفيق لجلجامش معلناً بذلك انتصار النزعة الخيرة في الإنسان، أما في المقلب الآخر من الملحمة تجد نزعة الخلود التي سيطرت على جلجامش وتحولت لهاجسٍ بالنسبة له بعد موت أنكيدو.
ويعتقد البعض أن هناك صلة بين ملحمة جلجامش وقصة الطوفان عندما هَام جلجامش على وجهه في رحلته للبحث عن بطل الطوفان الذي أرشده لنبتة تنمو في المياه العميقة والتي سوف تمنحه الخلود المنشود، وعندما استطاع الحصول عليها عاد بها منتشياً وفي طريق عودته وجد ماءً عذباً فنزل ليستحم به وإذ بحية تسرق منه سر خلوده وفقاً لما ذكرته الألواح الطينية الاثني عشر والتي تضمنت أحداث الملحمة.

حياة جلجامش

ملحمة جلجامش 03
هو خامس ملوك أوروك حسب قائمة الملوك السومريين، حيث كان يعتبر شخصية أسطورية غير موجودة ولكن تغير هذا الاعتقاد مع اكتشاف الألواح الطينية القديمة في الحضارة السومرية، حيث تقول الملحمة بأن جلجامش في فترة حكمه لمملكة أوروك كان يظلم أهلها ويبطش بهم لاعتقادهم بأن ثلثه إله وثلثاه إنسان. لقد عاش جلجامش حياة الصيد واللهو وتعذيب الناس بعد عودته من رحلته المضنية في البحث عن الخلود ليحكم 126 عاماً قبل أن يحكم ابنه ‘‘أوننجال’’ بعد موته.

خلاصة الملحمة

ملحمة جلجامش 04
يبدو جلياً لقارئ الملحمة أنها تروي حياة ملك أوروك السومرية وتحتوي على تأملات في طبيعة التكوين الإنساني، والبحث في مسألة الحياة والموت ومعنى الوجود والبحث عن الخلود، حيث قدمت الملحمة نموذجاً فكرياً وضح القيمة والمعاني العظيمة لحضارة إنسانية في ذلك الواقع القديم، فهي لا تمثل نصاً مثيولوجياً خالصاً ولا فكراً واقعياً إنما تمثل الوسط بين الأمرين، كما ترجمت ملحمة جلجامش إلى عدة لغات وكانت خلاصة حضارة عظيمة قدمت للبشرية إرثاً فكرياً ومعرفياً وفلسفياً ما زال إلى الآن حاضراً وبقوة بين الثقافات الإنسانية الممتدة شرقاً وغرباً كواحدة من أهم الإنتاجات الأدبية في التاريخ القديم.
المراجع
شاركها في جوجل+

عن غير معرف

0 التعليقات:

إرسال تعليق